عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
226
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
ولا نشور ، قد قامت قيامته على ساق ، وعدمت علانيته ، فهذه هي الساعة الصغرى ، وقس عليها أحوال الساعة الكبرى ، وخذ معرفة الحساب والميزان والصراط مما دللناك عليه بالإشارة لا بالتصريح ، ويكفي العاقل هذا القدر من التلويح ، وقد ذكرنا الجنة والنار في بابهما ، وهو الباب الثامن والخمسون من هذا الكتاب ، وسنومىء إلى سرّهما بطريق الإشارة ، فإن كنت ذا فهم عليّ وعزم قوى أدركت ما نشير إليه ، وإلا فلا تبرح كغيرك واقفا مع ظاهره ولديه . اعلم أن اللّه تعالى خلق الدار الآخرة بجميع ما فيها نسخة من دار الدنيا ، وخلق الدنيا نسخة من الحق ، فالدنيا هي أصل والآخرة فرع عليها ، وقد ورد : « الدنيا مزرعة الآخرة » « 1 » وقال تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ « 2 » فعلم أن الأصل هو العمل الصادق في الدنيا ، والفرع هو الأمر الذي تراه في الآخرة ، وليست آخرة كل إلا ما سيكون فيه يوم القيامة ، وهو لا يكون إلا في نتيجة عمله ، والنتيجة فرع على المقدمة ، والمقدمة هي العمل الدنيوي ؛ ولهذا تقدمت الدنيا في الإيجاد على الآخرة ، وسميت بالأولى ، لأنها الأصل ، وتأخرت الآخرة وسميت بالأخرى لأنها الفرع ، فلو لم تكن الآخرة فرعا على الدنيا لكان تأخيرها نقصا في الحكمة ، إذ تأخير المقدم وتقديم المؤخر من الأمور الطاعنة في الحكمة . ثم اعلم أن محسوس الآخرة أقوى من محسوس الدنيا ، وملذوذها أعظم لذة من لذّة الدنيا ، ومكروهها أعظم كراهة من كراهة الدنيا ، وسبب ذلك أن الروح في الآخرة متفرّعة لقبول ما يرد عليها من المحبوب والمكروه ، بخلاف دار الدنيا فإن الجسم لكثافة يمنع الروح من قوّة التفرّغ للملائم ، فلا تجد منه إلا طرفا ، كما لو أكل الشخص طعاما ملذوذا وهو غير متفرّغ البال بل مشغول بأمر أهمه ، فإنه لا يجد لذلك الطعام ما يجده غيره من اللذة ، وسبب ذلك الاهتمام المانع له من التفرّع لقبول الوارد ؛ فلهذا كانت الدار الآخرة أشرف من دار الدنيا ولو كانت أمها ، ولا تعجب من هذا فإن كثيرا من الأولاد يكون أشرف من والده ، والدنيا ولو كانت أصلا
--> ( 1 ) الإتحاف 8 / 539 ، وتذكرة الموضوعات ( 174 ) ، والأسرار المرفوعة ( 199 ، 345 ) ، وكشف الخفاء 1 / 495 وقال : قال في « المقاصد » : لم أقف عليه مع إيراد الغزالي له في « الإحياء » ، وقال القاري : معناه صحيح . ( 2 ) آية ( 7 . 8 ) سورة الزلزلة .